محمد بن جرير الطبري
193
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وهذا من كتبه . يقول الله : فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ وأما قوله : وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ فإنه يعني به الرشوة التي كانوا يأخذونها على حكمهم بغير كتاب الله لمن حكموا له به . وقد بينا معنى الربانيين والأحبار ومعنى السحت بشواهد ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . وأما قوله : لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ وهذا قسم من الله أقسم به ، يقول تعالى ذكره : أقسم لبئس الصنيع كان يصنع هؤلاء الربانيون والأحبار في تركهم نهي الذين يسارعون منهم في الإثم والعدوان وأكل السحت عما كانوا يفعلون من ذلك . وكان العلماء يقولون : ما في القرآن آية أشد توبيخا للعلماء من هذه الآية ولا أخوف عليهم منها . حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا عبد الله بن داود ، قال : ثنا سلمة بن نبيط ، عن الضحاك بن في قوله : لَوْ لا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ قال : ما في القرآن آية أخوف عندي منها أنا لا ننهي حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا أبو عطية ، قال : ثنا قيس ، عن العلاء بن المسيب ، عن خالد بن دينار ، عن ابن عباس ، قال : ما في القرآن آية أشد توبيخا من هذه الآية : لَوْ لا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ يصنعون قال : كذا قرأ وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك : حدثنا هناد ، قال : ثنا وكيع ، وحدثنا ابن وكيع قال : ثنا أبي ، عن سلمة بن نبيط ، عن الضحاك : لَوْ لا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : لَوْ لا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ يعني الربانيين أنهم لبئس ما كانوا يصنعون . القول في تأويل قوله تعالى : وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن جراءة اليهود على ربهم ووصفهم إياه بما ليس من صفته ، توبيخا لهم بذلك وتعريفا منه نبيه صلى الله عليه وسلم قديم جهلهم واغترارهم به وإنكارهم جميع جميل أياديه عندهم وكثرة صفحه عنهم وعفوه عن عظيم إجرامهم ، واحتجاجا لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم بأنه له نبي مبعوث ورسول مرسل أن كانت هذه الأنباء التي أنبأهم بها كانت من خفي علومهم ومكنونها التي لا يعلمها إلا أحبارهم وعلماؤهم دون غيرهم من اليهود فضلا عن الأمة الأمية من العرب الذين لم يقرؤوا كتابا ولا وعوا من علوم أهل الكتاب علما فأطلع الله على ذلك نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ليقرر عندهم صدقه ويقطع بذلك حجتهم . يقول تعالى ذكره : وَقالَتِ الْيَهُودُ من بني إسرائيل يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ يعنون : أن خير الله ممسك ، وعطاءه محبوس عن الاتساع عليهم ، كما قال تعالى ذكره في تأديب نبيه صلى الله عليه وسلم : وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ وإنما وصف تعالى ذكره اليد بذلك ، والمعنى : العطاء ، لأن عطاء الناس وبذل معروفهم الغالب بأيديهم ، فجرى استعمال الناس في وصف بعضهم بعضا إذا وصفوه بجود وكرم أو ببخل وشح وضيق ، بإضافة ما كان من ذلك من صفة الموصوف إلى يديه ، كما قال الأعشى في مدح رجل : يداك يدا مجد فكف مفيدة * وكف إذا ما ضن بالزاد تنفق فأضاف ما كان صفة صاحب اليد من إنفاق وإفادة إلى اليد ؛ ومثل ذلك من كلام العرب في أشعارها وأمثالها أكثر من أن يحصى . فخاطبهم الله بما يتعارفونه ، ويتحاورونه بينهم في كلامهم ، فقال : وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ يعني بذلك أنهم قالوا : إن الله يبخل علينا ويمنعنا فضله فلا يفضل ،